طرق الربح

افكار في تعبير الرؤيا

أولا : قد يرى إنسانٌ ما رؤيا فتُعبر على وجه ما ويكون التعبير قريبا ثم عندما تتحقق الرؤيا يتبين الوجه الصحيح في تعبيرها ، وللتوضيح فإني أذكر مثالا على ذلك وهو الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم:
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي المعصوم والذي يتلقى الوحي من السماء لم يقطع في تعبيره و كان يقول (ذهب وهلي...) أي ظني ، ثم يتبين له بعد أن أُذِنَ له بالهجرة أنها هي المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ؛ في الوقت الذي نرى إصرار الكثير على تحديد أدق الخفايا في الرؤى والتي تصعب على الحاذق فضلا عن المتعلم ومن ثم يصرون على تأويلهم ويقطعون به ، فهلا كان لهم أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ثانيا: الاكتفاء في التعبير بكلمات موجزة معبرة وعدم التكلف ، و يوضح ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري:
عن بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال إن أخاك رجل صالح.
فتأمل في تعبير النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الكلمات الموجزة والبليغة ، وكيف لا وهو الذي أوتي جوامع الكلم.
ثالثا :تعبير الرؤيا بالمصدر والمآل ؛ وأسأل الله أن أكون قد وفقت في هذه التسمية والاصطلاح ولقد لاحظت أن كثيرا من الرؤى تعبر بالمصدر والمآل ؛ وللتوضيح أقول:
أ-المصدر: أعني به مصدر وأصل ما رأى في المنام فترجع الشئ إلى أصله ومصدره ثم تعبره بما يوافق الرؤيا ومن الأمثلة ما أنقله من البدر المنير للشهاب العابر حيث قال:
كما قال لي إنسان : رأيت أنني قطعت شجرة زيتون مليحة ، قلت : كان في البلد غيرها ، قال : لا ، قلت : أنت متول ، قال : نعم ، قلت : سعيت في قطع زيت لمسجد أو كنيسة ، قال : صحيح .
وقال مريض رأيت أنني تحت شجرة تفاح أستظل بظلها فقطعتها ، قلت :كانت العافية في شراب التفاح فكيف قطعته ! فعاد إليه ، فعوفي.
وقال آخر : رأيت أنني قطعت شجرة عنب كنت أسجد لها في المنام ، قلت :كنت تشرب الخمر وقد تبت منه ، قال : صحيح.انتهى كلامه.
ونلاحظ في الأمثلة السابقة من شجرة الزيتون أنها مصدر الزيت ومن شجرة التفاح أنها مصدر شراب التفاح ومن شجرة العنب أنها مصدر الخمر عافانا الله وإياكم وهكذا تم التعبير.
وأذكر هنا مما وقع لي أنه جاءتني رؤيا أن امرأة رأت أنها تمسح على باطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها الحرير ، فقلت هذه المرأة كثيرة قيام الليل وتطيل القنوت ؛وكان كما أخبرتهم ، ودليله أن باطن القدم هي موضع القيام وأصله فدل عليه والله تعالى أعلم.
ب -المآل : وأعني به أن تعبر الرؤيا بما تؤول إليه على ما يوافق الرؤيا ومثاله أيضا ما يرويه الشهاب العابر المقدسي رحمه الله تعالى في البدر المنير:
وقال آخر رأيت أنني بلعت مصحفاً ، قلت : تحفظ القرآن.
وقال آخر : رأيت أنني هدمت فندقاً ، قلت له : تجهزت للسفر والساعة يبطل سفرك ، فكان كذلك .
وقال لي نصراني : رأيت أنني أكلت المسيح ، قلت له : سرقت صليباً وبعته وأكلت ثمنه وكان ذهباً ، قال : نعم .
وقال آخر:رأيت أن مئذنة الجامع انهدمت وأنا أقول بطل الأذان ؛ قال لي آخر ما بطل ، قلت له : يقع بسمعك طرش فيمنعك سماع الأذان فجرى ذلك.انتهى كلامه رحمه الله.
فتأمل في الأمثلة السابقة تجد أن الفندق هو مآل المسافر وهدمه بطلان السفر وأن مآل ابتلاع المصحف هو حفظ الكتاب العزيز، ومآل الذي أكل المسيح أنه يأكل ثمن الصليب الذي سرقه وكذلك الذي يقول قد بطل الأذان فلا يحدث له ذلك إلا عندما آل حاله إلى الطرش.
وهنا ملاحظة هامة أحب أن أوردها وهي أن التعبير ينبغي أن يكون على ما يعتقده الرائي لا على الاعتقاد الصحيح فإن عيسى ابن مريم عليه السلام لم يصلب بل رفعه الله إليه ومع ذلك فإن الشهاب العابر رحمه الله عبرها على اعتقاد النصراني في صلب المسيح ولم يعبرها على العقيدة الصحيحة والله تعالى أعلم.
رابعا :التعبير بالتفاعل : وأقصد به تفاعل عناصر الرؤيا وتركيبها مع بعضها البعض ثم تعطي نتيجة التفاعل في التأويل ، ومثاله من البدر المنير ، قال الشهاب العابر رحمه الله تعالى:
قال لي رجل تاجر : رأيت أنني أبني بركة بحجارة ملح وهي حجارة جياد ، قلت : عزمت على شراء سكر وتحمله في مركب في البحر ، قال : نعم ، قلت : يلحقه الموج فيتلف أو يغرق ، فجرى ذلك .
وقال آخر : رأيت أنني بنيت بيوتاً من عسل ، قلت : كانت في الشمس أم في الظل ، قال : بل في الشمس ، قلت : أنت تعرف تعمل الحلاوة التي تنفخ وتعمل منها كاللعاب وكيزان الفقاع ونحو ذلك ، قال : نعم ، قلت : تمرض وتبطل فائدتك من ذلك ، فجرى .
وقال لي إنسان : رأيت أن عيني صارت في أذني ، قلت : لك غائب وعينك إلى ما تسمع عنه من الأخبار .انتهى كلامه رحمه الله.
فتأمل أخي الكريم كيف ركب عناصر الرؤيا بشكل صحيح وأتى بناتج التفاعل بتعبير سليم سديد ؛ فعندما تفاعلت حجارة الملح بالماء ذابت وتلفت ، وعندما تفاعلت بيوت العسل مع حرارة الشمس تلفت ، وعندما صارت العين في الأذن دلت على تتبع أخبار الغائب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلانات